-->

أثر التمثلات على العلاقة التربوية بين الأستاذ والطالب


بعد أن رأينا في المحور السابق أهم التمثلات التي يبلورها الطلبة الجدد حول الأساتذة الجامعيين، وأهم العوامل التي تسهم في بلورتها، سنتناول في هذا المحور أثر التمثلات التي يبلورها الطلبة على العلاقة التربوية بين الطرفين، حيث سنقف عند آثارها على  مستوى التحصيل الدراسي للطالب الجديد من جهة، وآثارها على العملية التربوية داخل المنظومة الجامعية من جهة أخرى، ولرصد آثارها على المستوى التحصيلي للطالب سنقف عند   مجموعة من المؤشرات: منها مدى استفادة الطالب من التوجيهات التي يسديها له أستاذه، ومدى تفاعله مع المادة المعرفية التي يدرسها إلى غير ذلك.
لما كانت العلاقة، بين الفاعل (المتمثل) والموضوع (المتمثَل)، التفاعلية بحيث يؤثر الواحد منهما في الآخر، فإن طبيعة التمثل الذي يبلوره الطلبة الجدد، يؤثر على طبيعة العلاقة التربوية بينهم.
ولإيضاح ذلك سنتناول أولا طبيعة التمثلات التي يبلورونها من جهة وكيفية تأثيرها على العلاقة التربوية بينهما من جهة أخرى، ولإبراز مظاهر هذا التأثير سنتوقف عند مجموعة من المؤشرات التي في اعتقادنا، دالة على مظاهر التأثير سواء الإيجابي أو السلبي. ومن المؤشرات التي وضعناها نجد مؤشر التفاعل بين الطرفين ثم مؤشر التفاعل مع المادة المعرفية التي يدرسها الأستاذ الجامعي، وهذا المؤشر يتفرع إلى مجموعة من المؤشرات من بينها الإهتمام بالمادة من حيث مطالعتها وتعميق البحث حولها وتمثلها وطبيعة تمثلها، إلى غير ذلك. وفي هذا السياق سنتابع أيضا آثارها على مستوى العملية التربوية وأهدافها داخل الجامعة.
وفي هذا السياق وجهنا للطلبة مجموعة من الأسئلة  حاولنا من خلالها رصد تلك المؤشرات التي وضعناها لإبراز مظاهر تأثير هذه التمثلات، وجاءت إفادتهم عموما لتؤكد على أنهم يمتلكون تمثلات ذات طبيعة ايجابية وسلبية حول الأساتذة الجامعيين، وقد لاحظنا ذلك في تمثلاتهم البعدية.
يقول أحد الطلبة المستجوبين أنه لديه انطباعات ايجابية حول أحد أساتذته، فنحاول أن نبرز طبيعة هذه التمثلات، يقول: "لدي انطباع جيد حول أحد أساتذتي إنه ضابط لتخصصه ويتعامل معنا بشكل جيد، لقد منحنا الفرصة للقيام  بالعروض، ومنحنا الفرصة للمشاركة في بناء الدرس، كما أنه يتساهل معنا في تقويمه لاختباراتنا"، ولمعرفة طبيعة علاقته التربوية بهذا الأستاذ وجهنا له مجموعة من الأسئلة التي لها علاقة بالمؤشرات التي وضعناها، فجاءت أجوبته عليها كالتالي : "أتشوق لحصته، أداوم الحضور ولا أتغيب قط، تكون حالتي النفسية مطمئنة، أشعر بمتعة وارتياح كبيرين، وأخذ توجيهاته وإرشاداته على محمل الجد، وهذا جعلني أحب المادة التي يدرسها حيث أصبحت أخصص لها وقتا كبيرا للمراجعة والمطالعة"، في المقابل قال أنه لديه انطباعا سلبيا حول إحدى أستاذاته، يقول في هذا الصدد:"هذه الأستاذة يبدوا لي أنها لا تصحح الإختبارات، وتقيم نوع من التمييز بين طلبتها حيث تفضل التعامل أكثر مع الطلبة الموظفين علينا،( كتعامل بالزبونية)، تعطينا منسوخات وتتعامل معها بقدسية، بحيث لا تسمح لنا بتعميق البحث فيها ومناقشتها، وطريقتها في الشرح مملة، ( كتخطب علينا بلما نفهموا )، المادة التي تدرسها أصبحت أكرهها ولا أخصص لها وقتا كبيرا للمطالعة لأنني لا أستوعبها، وتوجيهاتها لا أعير لها  أي اهتمام لأنها ليست أستاذة حقا حتى أستفيد من توجيهاتها".
ما يمكننا ملاحظته، هو أن طبيعة تمثل هذا الطالب لأستاذه حددت طبيعة  علاقته التربوية به، حيث نلاحظ أن تمثله الإيجابي للأستاذ كانت له انعكاسات ايجابية على علاقته التربوية بهذا الأستاذ، وفي المقابل نلاحظ أن تمثله السلبي للآخر كانت له انعكاسات سلبية، على مستوى العلاقة التربوية من جهة، وعلى مستوى تحصيله الدراسي من جهة أخرى.
ومن تم فإن التمثلات السلبية للطلبة لأساتذتهم تكون لديها انعكاسات على العملية التربوية داخل الجامعة خصوصا فيما يتعلق بالأهداف التي ترفعها والتي من بينها التكوين والتعليم.
 هكذا إذن تتأكد صحة فرضيتنا الخامسة فطبيعة التمثلات، التي يبلورها الطالب الجديد، تحدد طبيعة العلاقة التربوية، بينه وبين أستاذه الجامعي. ومن تم فإن العلاقة التربوية الجيدة والإيجابية تقتضي تمثلات ايجابية وجيدة بين الطرفين، وبذلك يمكن تحقيق الأهداف التربوية التي ترفعها المنظومة التربوية الجامعية. ولعل المشاكل التي تتخبط فيها هذه المنظومة، راجعة بالأساس إلى انتشار التمثلات السلبية بين المكونات الجامعية ككل، عموما وانتشارها بين الطلبة الجدد والأساتذة الجامعيين بالخصوص.
خلاصة:
إن تمثلات الطلبة الجدد للأساتذة الجامعيين يتحكم فيها عامل أساسي وهو عامل المقارنة التي تتخذ بعدا ذهنيا تارة ، وتتخذ بعدا واقعيا تارة أخرى، ففي البعد الأول يبلور الطلبة الجدد تمثلاتهم انطلاقا من مقارنة تمثلاتهم القبلية المستبطنة في أذهانهم، بواقع الأساتذة داخل الجامعة عموما، وداخل الفصل الدراسي بالخصوص، أما فيما يخص البعد الثاني، فيبلور فيه الطلبة تمثلاتهم من خلال مقارنة أداء أساتذتهم في المؤسسة التي اتوا منها وهي الثانوية، بأداء أساتذتهم بمؤسستهم الحالية وهي الجامعة.
إن تمثلاتهم القبلية للأساتذة الجامعيين عموما، تمثلات جيدة، وهاته التمثلات تبدو لي أنها تنسجم مع الوضع والمكانة التي يحتلها الأستاذ الجامعي داخل المجتمعات عموما، وداخل المجتمع المغربي بالخصوص.
أما تمثلاتهم البعدية، فإنها نتاج لعملية المقارنة التي تحدثنا عنها في البداية، كما أنها تمتلك قدرة على إخضاع تمثلاتهم القبلية إلى منطق الواقع، فما دام هذا الآخر مرن ويتميز بالدينامكية، والصيرورة فإنه يضم في ثناياه الإختلاف والتنوع، ولذلك فإن هاته التمثلات تتسم بهذه الميزة، ذلك أن تمثلاتهم البعدية كشفت لنا عن وجود صنفين من الأساتذة الجامعيين: صنف يتطابق مع صفة الأستاذ الجامعي، وهو يتمتع بميزات معرفية عالية، وكفايات بيداغوجية جيدة، وصنف آخر لا يتمتع بتلك الميزات. وقد لاحظنا انطلاقا من  إفادات الطلبة  أن الصنف الأول أقل نسبيا من الصنف الثاني بجامعتهم.
فتمثلات الطلبة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، فبالنسبة للجانب الموضوعي فيها نلاحظه في الجانب التقييمي لتمثلاتهم، بحيث شكلت تقييما لأداء أساتذتهم داخل الفصل الدراسي انطلاقا من طريقتهم في الشرح والتقييم وتبسيط المادة المعرفية التي يدرسونها، أما بالنسبة للجانب الذاتي في تمثلاتهم فإننا لاحظناها في الصفات التي يطلبونها في أساتذتهم الجامعيين، من قبيل: صفة الإنفتاح، والتواصل، وصفة الإقتراب من مشاكلهم النفسية والإجتماعية التي تفرضها الوضعية الإجتماعية والنفسية للطلبة الجدد، إذ أنهم يتموقعون في مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة انتقالية.
     إن هذه المرحلة تفرض أو يتمخض عنها مشاكل نفسية واجتماعية، وحتى اقتصادية تجعل الطلبة الجدد، يطلبون من أساتذتهم أن يساعدوهم في حلها، أو على الأقل التخفيف من وطئتها. كما أنهم إذ يطلبون من أساتذتهم التحلي بهاته الصفات فلأنهم يحاولون بأقصى جهد ممكن اقتحام هذا الفضاء الجديد بالنسبة إليهم، والذي يتمثل في الجامعة، ذلك أن نسبة 70% من الطلبة الجدد، صرحوا لنا بأنهم يشعرون بالغربة والتيهان داخل الجامعة.
Amira
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الأميرة .

جديد قسم : علاقة الأستاذ بالطالب

إرسال تعليق