الموضة: تاريخها، حضارتها، وصراعاتها


تعريف الموضة
        عرفت هدى رزق وهي باحثة في علم الاجتماع؛ حيث تقول إن تاريخ الأزياء بدأ من أيام الفراعنة حتى امتد على أيام الرومان والاهتمام بالمظهر وبالجمال وإظهار الجمال من أيام الفراعنة حيث كانت الأناقة مهمة كثيرا بالنسبة إليهم وكذلك الجمال مهم حتى عندما يموتون كانوا يأخذون الحلي التي يملكون ويحطونه معهم.
الموضة عند عبد الرحيم العطري هي آخر اختلاف لحظة قارة من معطف الزمن، خارجة عليه، تتوق الانعتاق من سكونتيه هي النمط أو النموذج المختلف عن السابق واللاحق، إنها وجود خاص في الزمان والمكان.
فالموضة –والتي هي ترجمة لكمة "Mode" بالفرنسية- تعني "شكل" أو نموذج " أو "طريقة" وهي بذلك كلمة مفرغة من أي بعد مضموني، أي أنها لا تحمل أي مضمون في ذاتها، وهذا مقصود بطبيعة الحال، لأن الهدف الواضح من وراءها هدف تجاري محض، تسعى به لخلق مجموعة من التبريرات والتسويفات من أجل إقناع الناس والشباب بصفة خاصة من أجل المزيد من الشراء، ومزيد من الإنفاق، ولوقوف الحاجة ولو على حساب الدين.
يتخطى مفهوم الموضة مجرد الحاجة إلى الاكتساء. ولطالما كانت تلك ظاهرة مرتبطة بالبلاط الملكي والطبقة الأرستقراطية وهؤلاء كانوا الملتقى الأول للموضة، والناقل لها إلى الفئات الأخرى حتى تصبح ظاهـرة عامة.
ويمكن الحديث عن تاريخ الموضة ابتداء من القرن الأخير، مع المصمم " شافر يديرك وورث" الذي كان أول من خطرت له فكرة عرض الأزياء في 1858.
    الموضة: تاريخها، حضارتها، وصراعاتها
         عالم الموضة... عالم يعيش ثورة مستمرة ففي كل موسم وحتى في كل يوم نرى صرعة جديدة أو نسمع عن مصمم جديد، عالم يتغير ويتجدد باستمرار ومن منا لا يتأثر بالموضة ويدمن عليها لدرجة أن البعض منا يصبح من ضحاياها والآن سنتابع الموضة من بدايتها وحتى الآن تطوراتها وتغيراتها وصراعاتها.
  • العصر الحجري
         بدأت علاقة الإنسان مع الموضة في هذا الوقت حيث كان مضطرا إلى ارتداء جلود الحيوانات اتقاء للبرد والصقيع والمطر والثلوج. كذلك لدرء أشعة الشمس الحارقة، بالإضافة طبعا إلى ستر العورات، منذ البداية كان عالم الموضة في تغير مستمر وكان هذا التغير يتم بطريقة بطيئة.. ويرتبط دائما بنمط الحياة والمستوى الطبقي في المجال.
  • القرن الثامن عشر
ظهرت البرجوازية في كل تجلياتها وتداعياتها وكانت الإمكانات المادية لهذه الطبقة قادرة على إطلاق صناعة الأزياء الراقية حيث راح المصممون يروجون لابتكاراتهم الخاصة وتصاميمها.
  • القرن العشرين
         كان حاسما وسريعا في إظهار التغيرات الكبرى حيث كان لكل عقد فيه موضة محددة وتأسست مدارس الموضة وأخذ مصممو الأزياء يثبتون أنفسهم وينطلقون أكثر فأكثر..
         ومع حلول كل عقد في هذا القرن كانت تحدث ثورة في عالم الأزياء وأصبحت الموضة عالمية ومتاحة لكل الطبقات وشهدت في هذا القرن ثورة حقيقية، خصوصا في عالم الموضة عند السيدات بدءا بارتداء (الصاية القصيرة) ووصولا (السروال) وفي بداية هذا القرن كانت (باريس) عاصمة الموضة في فترة الستينات للقرن العشرين.
         بات بإمكان كل شخص أن يختار ما يناسبه من ثياب لم يعد هناك تقيد بموضة معينة، أصبح كل شيء على وجه الأرض يلهم المصممين وانتشرت صناعة الموضة في كل أنحاء العالم لمعت أسماء كبيرة في عالمها...
         بات المصممون العالميون يعرضون تصاميمهم الجديدة في عواصم الموضة العالمية.
         في العام 1910 في هذه السنة بدأ التغيير.. وراحت النساء يشتهرن لا سيما في ارتداء (السروال) و (الصاية) المسدولة.. ويعود سبب ذلك إلى نشوب الحرب العالمية الأولى حيث تغير مجرى الحياة وبدأت السيدات العمل في نفس المجالات التي يعمل بها الرجال فكانت هذه الثورة الأولى في عالم الموضة.
         الفترة ما بين 1920 و1929 وهنا تمكنت المرأة بجدارة الاستمرار في عملها الجديد الذي كان حكرا على الرجل، وحافظت على اعتماد مظهرها الجديد حتى سميت تلك الفترة (بالسنوات المجنونة) في التعبير أصبح التشبه بالرجال طاغيا لدى السيدات وبات الشعر القصير آخر موضة عند السيدات.
         وفي العـام 1930 حصل تغير جذري في عالم الأناقة عند كلا الجنسين فعادت الحسناوات إلى أناقتهـن المعهودة مع الطقم والصايات والجاكيط التي تظهر مفاتن الجسم ومحاسنه، إضافة إلـى ارتداء القبعات والإكسسوارات الأخرى من القفازات إلى الأحذية والحقائب أما الرجـال فقد بدؤوا في إظهار النقاط الجميلة للأجسام من خلال الأزياء الحديثة.
وفي العام 1940 ومع بداية هذه الفترة كانت الحرب العالمية الثانية وكان معها انحسار الموضة أصبحت المواد الأولية للثياب نادرة الوجود إلا أن الحرب لم تمنع ذواقة الموضة من الاستمرار في نمط حياتهم المعتاد وأصبحت الأزياء الفرنسية هي الرائدة في عالم الموضة ومن أبرز المصممين لتلك الفترة المصمم كريستين ديور. 
وفي العام 1950 وهنا طرأ تطور لافت على مظهر الجنسين فأصبح مظهر الرجال في غاية الحداثة وتحول الطقم إلى قطعتين جاكيط ذات أكتاف عريضة وسروال من دون أي تعرج مع قميص أبيض وربطة عنق رفيعة ويعود السبب في التغيير إلى المسؤولية الكبيرة التي ألقبت عليه لإعمار بلده بعد الحرب، كما استرسل بعضهم في إرخاء الشعر الطويل وربطه وظهرت موضة الروك أندرول، وبالنسبة للنساء.. كانت هذه الفترة مفعمة بالأنوثة فبرزت الفساتين الضيقة عند الخصر وبدأت النساء بانتعال الأحذية ذات الكعب العالي الرفيع وفي هذه الفترة برز عدد كبير من النجوم الذين كان لهم الأثر الكبير مثل: جايمس دين، القس بريسلي، مارلون برناردو، مارلين مونرو، ونتيجة لذلك برزت موضة جديدة في أوساط الشباب الذين تمادوا بالتشبه بنجومهم المشاهير المحبوبون لديهم وتقليدهم في كل شيء، ولمعت أسماء كبيرة في عالم الموضة مثل: وروس وجاك فيث.
وفي العام 1960 تميزت هذه الفترة بالتغيير السريع وأصبحت الموضة الموحدة لكلا الجنسين عالمية وفي متناول الجميع، وتألقت أسماء كبيرة في عالم الأزياء لاسيما المصممة ماري كواتن التي أطلقت الصاية القصيرة وباكو رابان الذي استعمل الجديد في تصاميمه، وبالنسبة للرجال.. دخلوا بقوة إلى عالم التغيير عبر ارتداء الألوان الصاخبة والقمصان الزهر والأصفر وبرز في هذه الفترة المصمم العالمي إيف سان لور.
وفي الفترة 1970 وحتى 1973 كان ظهور لظاهرة " الخنافس " أو " الهيبيز" وهي صرخة ضد الحرب ورسالة إلى السلام والحب أو قوة الورد.. وبمعنى أوضح العودة إلى الطبيعة والعيش معها بسلام. انطلقت فترة الهيبيز سنة 1967 في الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدا مدينة سان فرنسيسكو وانتقلت بعدها إلى زي آخر وكان الزي مؤلفا أساسا من سروال وجينز قديم واسع عن مستوى القدم وضيق عند الخصر ومن قميص فضفاض مع الصندل وكانت البشرة تترك خالية من أي مساحيق تجميل والشعر حرا وطويلا دون تزيين وكانت موضة خارجة عن المألوف.
وفي الفترة ما بين 1973 وحتى 1976 وهنا بدأت الموجة الحديثة في هذه الفترة، تبدلت النظرة إلى الحب والسلام وانتهى عصر الحب الملتهب. سطعت نجوم جديدة في هذه الفترة حتى أن السياسة تغيرت وتصاميم الموضة أيضا تغيرت وتألفت الموسيقى بحلة جديدة وكان الإنجليز أول من تباهى بهذا المظهر فاشتهرت الدبابيس في الوجوه والأقراط في الآذان والشعر المنتصب والأزياء السوداء المصنوعة من الجلد وكانت رسالتهم واضحة وهي إلقاء الرعب في أعداءهم وكانت موضة البانك موجهة ضد الهيبيز والباباس.
وفي الفترة ما بين 1982 وحتى 1989 بدأت موجة اليوبي التي أحدثت بعض التغير وطالت شباب الطبقة المتوسطة وكانت قد ظهرت في بداية الثمانينات بعد انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية ومرغريتا تاتشر في بريطانيا، وذلك في خضم الاهتمام المتزايد بالبورصة العالمية، كان اليوبيز يعشقون المظاهر واقتناء المعاطف الطويلة الفضفاضة من ماركة بربري ولويس فيثون وبرز في مجال الأزياء الرجالي جيورجيو أرماني وبول سيمت وجياني فيرسا تشي وكريستيان لأكروا ودرج الشعر القصير جدا عند الرجال بينما تميزت السيدات بالشعر الطويل المربوط، وبرزت موجة العارضات العالميات الشهيرات اللواتي وصلن إلى النجومية مثل سندي كروفراد أظهر اليوبيز اهتمام كبير بالرياضة.
أما الفترة مابين 1992 حتى 1995 جيل المظاهر الرثة.. ظهرت تلك الموضة مع بداية حرب الخليج واعتبرت تلك الفترة كان الغرانجر نوعا من التحرك الجديد داخل الموسيقى بدأ في سياتل بأمريكا وانتشر بعد ذلك وكانت علامتهم الفارقة الشعر الغير المسرح والبنطالون الممزق وقميص التي شيرت ذو الكم الطويل وفوقه قميص تي شيرت ذو كم قصير حاليا تعتبر موضة خاصة والقميص المطبع بمربعات كبرية بدل الجاكيت إضافة إلى انتعال الأحذية الرياضية من دون شريط.
الفترة ما بين 1995 حتى 1998 انطلقت موجة الحيويين ... وتميزت بالشعر والنظر الثاقبة والأزياء العسكرية والثياب العادية الفضفاضة إضافة إلى الوشام المختلفة وكانوا مهووسين بالأنترنت وموسيقى التكنو إضافة إلى تعلقهم وميلهم للتأمل الذاتي والديانة البوذية.
والفترة ما بين 1998 وحتى 2001 كانت موجة البو بوس ولم يكن لها التأثير الكبير رغم أنها أخذت نصيبها من الشهرة وهي عبارة عن مزيج من الأناقة والحياة البرجوازية والبوهيمية من خلال ارتداء الملابس الرياضية الأنيقة وكذلك الكلاسيكية أي الأزياء القديمة التـي درجت موضتها من جـديد.
2001 ولغاية الآن موجة اليتيز وتعني الشباب العاملين في حقول التكنولوجيا والواقع أن فيلم ماتريكس أحدث ثورة لدى اليتيبز في هذه الموجة بزرت إلى الواجهة البذلة الرسمية الحديثة من أشهر الماركات العالمية، مع بعض الحنين إلى الماضي من خلال لمسات قديمة متجددة وتم التركيز على الأحذية الخفيفة، التي تناسب الرجال والسيدات في كل الأوقات.
من كل ذلك يمكننا القول إن كل جيل يحدث نوعا من الثورة في العالم وفي مختلف الميادين لكن هذا لا يعني تتبع كل ما هو دارج في العالم، فمن المهم المحافظة على الطابع الخاص لكل منا وقبل كل شيء ألا تتنافى مع عاداتنا وقيمنا الإسلامية.
باختصار عالم الموضة لا ينتهي ووثيرته تتسارع جدا ومن المهم أن نواكب التجديد، لكن الأهم أن نعرف ما يناسبنا وبعدها نتبع هذا التطور السريع الذي لا يعرف نهاية للابتكارات.

Amira
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الأميرة .

جديد قسم : الموضة

إرسال تعليق