-->

إن سعينا وراء إنجاز هذا البحث، كان من جهة أولى هو الرهان على الجانب المربح؛ رهان المعرفة، ومن جهة أخرى تسليط الضوء حول مدلول مصطلح "الموضة"، عبر ما أمكن استخلاصه مما لمسناه من ادراجنا لتعريف المصطلح في الأدبيات السوسيولوجيا، من جانب، وما خلصنا اليه انطلاقا من تجربة الميدان المعاشة، لهذا أمكننا القول أن الموضة ليست مجرد نوع خاص، مرتبط بسياقات مختلفة : طريقة اللباس، والكلام، وتصفيف الشعر، والحركات...الخ، بل هي ثقافة تشهدها السيرورة المجتمعية؛ إنها ظاهرة كونية، لا تقتصر على نسق اجتماعي، أو حقل مجتمعي، أو بنيات اجتماعية معينة، والمجتمع المغربي بطبيعة الحال ليس بذلك النظام الاجتماعي المغلق على نفسه، بل يعرف هو الآخر انفتاحا، وتفاعلا مع الثقافات الخارجة عن مختلف شروطه خاصة، في ظل ظاهرة العولمة، والحداثة المميزة لتك الثقافة الوافدة من الهناك، أو بالأحرى في ظل ظواهر عولمة اللباس، وعولمة الجسد...الخ، من مظاهر العولمة؛ وهو ما يظهر من تمثل مجموعة من الشباب الجامعي للموضة، على أنها نمط ثقافي له أبعاد عديدة تمس مجموعة من الميادين سواء الاقتصادية (مسألة الربح بأي وجه كان )، أو الاجتماعية، (التفكير في اللباس)، أو الثقافية،( نبذ كل ما هو تقليدي والارتباط بكل ما هو مستجد)، وإنها ليست  فكرة تبعث على الاندهاش خصوصا ونحن نحاول جمع الأفكار المبعثرة هنا وهناك والتي تجيب ولو نوعيا عن سؤالنا العريض الذ يهم مسألة تلهف الشباب على الموضة ؟
         فالموضة في نظر مجموعة كبيرة من الشباب الجامعي وسيلة لإذابة الفوارق الاجتماعية ومحاولة للتخلص من براثن التعلق بالتقليد حيث لمسنا استعراض فكرة " اللباس أي لباس"، وإذ ترتبط الموضة بالجانب الاستهلاكي و تشحذ من أجل تحقيق هذا الجانب الجماهير الغفيرة بحثا عن طريقة جديدة في اللباس ومحاولة لتطويع الذات " الأنا" ذكر مسألة رفض القيم المحلية إذا ما مست القيم الذاتية للإنسان وخصوصياته في التفكير في اللباس بأي طريقة كانت، وإذن فهو تعبير عن الاختيار الشخصي إما الذاتي أو العاطفي الوجداني، حيث أن الفئة المعرضة لإغراءات الموضة أكثر هي فئة الإناث، ولمسنا  أيضا أن التعلق بالموضة أضحى شيء حتمي لدى الشباب بغالبية عظمى، بمعنى أن التعلق بالموضة ليس مرحلة مؤقتة وإنما دائمة مرتبطة بفترة الشباب وما بعده لأن المنتسبين للثقافة المرتبطة باختيارات اللباس حسب ما تفرضه الموضة لا يمس جانب من جوانب عمر الإنسان فالكل معرض لهذا، ولكن تبقى فترة الشباب أكثر عرضة من غيرها، فالموضة باعتبارها الوسيلة للتعبير عن الطموح النفسي الاجتماعي هي أيضا تعبير عن التحدي ورفض كل ما هو متوارث ما ضوي.
         وتتمثل رسالة الموضة الأساسية في التأكيد على أنه في ضوء ما تتيحه النظرة التأملية لدى الشباب المغربي عامة والعربي خاصة تبعث على أنها طريقة لإزالة الفوارق الذاتية أولا والاجتماعية والاقتصادية ثانيا، ولا ضير في أن نعتبر الموضة وسيلة فعالة للتعبير الشبابي عن رفضه للمورث التقليدي الثقافي المرتبط باللباس في مقابل الرغبة الجامحة في الانفتاح على العالم الغربي، و احتذاء ملامساته للموضة، ويمكن القول بأن الموضة أصبحت ثقافة استهلاكية تروج لها جهات معينة غرضها بث الرغبة في الشراء كتعبير عن احترام رغبة الأنا ومخاصمة لرغبات " النحن" ويعد هذا تعبير عن اقتحام  مجال اللباس للنوع الاجتماعي على اعتبار أن الجنسين الذكر والأنثى معرضين لعولمة الموضة، وحتى لا نغفل الجانب الاجتماعي فإن له الدور الكبير في تهذيب أو تمييع الذات في ارتباطها بالموضة في اللباس حسبما تقتضيه التنشئة الاجتماعية.
وتجدر الإشارة إلى أن نمط آليات تعتمدها الموضة في الترويح تتعلق بآليات العولمة وما يرتبط بها من وسائط التسويق، والاتصال، إذا أصبحت الإعلانات، ونجوم السينما، ومشاهير المطربين، وأصحاب المحلات، وشبكة الانترنت التي تساعد على تقريب المسافة بين ما تقتضيه الموضة وما ترغبه شرائح المجتمع، وهذا النتاج (الموضة ومتعلقاتها) ككثير من الحالات الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة برغبات الناس وأمالهم صوب الحداثة سلاح ذو حدين يمكن أن يستخدم لأغراض الخير إلى أقصى حد، ويمكن أن يستخدم لأغراض الشر كذلك، وكلا الأمرين حاصل في عالم الغرب والعرب اليوم، وليس من الحكمة أن نرفضها ونغلق دونها أعيننا وقلوبنا لمجرد أن آخرين يستخدمونها استخداما سيئا، ما دام بإمكاننا نحن أن نفيد منه فائدة عظيمة في ميادين الخير، والإنسان  فطن والحكمة ضالته أنى وجدها فهو أحق وأولى بها.
     ومن خلال تحليل معطيات البحث الميداني يمكننا القول على أن الموضة تبقى عبارة عن مجموعة من الموجات التي تجتاح بعض مظاهر الحياة العامة، وهي مسألة تعكس مجموعة من التوجهات.
ذالك أن أراء المبحوثين تختلف حسب اختلاف طبيعة الشعب التي يدرسون بها، مما يجعل التوجه العلمي محددا لأبرز المنطلقات التي يستند عليها الأفراد في تحليلهم  ورصدهم  لمجموعة من المعلومات حول موضوع الموضة؛ الشئ الذي يحيلنا إل دور مؤسسات أو قنوات التنشئة الاجتماعية في تطبيع الفرد بمجموعة من السلوكيات الاجتماعية، والقيم الثقافية التي توجه الفرد وتحكمه خلال حياته الاجتماعية، كما يطرح ذلك "ماكس  فيبر"، أو بمعنى آخر تظهر مفهوم "الهابتوس" عند "بيير بورديو"، هذا الأخير الذي يحدد كل من الرساميل الاقتصادية، والثقافية، لذلك فالتنشئة الاجتماعية كسيرورة، وكعملية تسهم بشكل كبير في تحديد طريقة تعامل الأفراد مع هاته الموضة.
من هنا يمكننا القول على أن الموضة لا تقتصر على مظهر واحد، أو بعد معين، وإنما هي تجليات عديدة ومختلفة، فنموذج اللباس لا يجسد الموضة في بعدها الاختزالي، بقدر ما هو رصد لواقع اجتماعي معين،له

تابعاته التي يعاني منها المجتمع، فالموضة تلعب أدوارا اجتماعية متنوعة، فلها دور "التشبيب"، ووظيفة قيمية، لأنها تعتمد كركائز تقدم عبر مجموعة من المعطيات التاريخية التقليدية في شكل نمط معين من اللباس، من هنا أمكننا التساؤل وفق الآتي:
ألا يمكن القول أن الإقبال على الموضة نوع من بين أنواع الإدمان الاجتماعي؟

Amira
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الأميرة .

جديد قسم : علاقة الأستاذ بالطالب

إرسال تعليق