إن القضايا الشبابية تتطلب استنفار الآليات السوسيولوجيا نظرا إلى ما تثيره من أسئلة من أجل الفهم والتحليل، لأن القضايا الشبابية تعتبر كل إشكالاتها من الأشياء اللامفكر فيها، وتأسيسها على ذلك نقول أن الانكباب السوسيولوجي على الموضة كشيء "اجتماعي" يضل ضروريا خصوصا إذا علمنا أنه يتصل بالفئة الأكثر حيوية في البناء الاجتماعي، خصوصا في عالمنا العربي حيث تشغل هذه الفئة حصة الأسد في الهرم البشري، وأنها كذلك الفئة العمرية الأقل خبرة والأكثر اندفاعا والمملوءة بالحيوية والأكثر استجابة لإغراءات الموضة، لكن  أو ليس كل شرائح المجتمع تتأثر بالموضة وتستجيب لإغراءاتها. 
 تعتبر الموضة أحد أدوات هدم كل صلة مع ما هو قديم ومبتذل ورتيب وتفتح الأبواب على التجدد والاختلاف والتجاوز، فتجد أن الشباب أكثر اتباعا لكل ما جد في عالم اللباس والأكل والموسيقى باعتبار أن ذلك يخلق من الاندماج والانصهار في بوتقة المجتمع".
" وكما أشارت الأستاذة " عائشة اليعقوبي" وهي باحثة في علم النفس فهي ترى أن " الموضة " غزو ثقافي يحاول الغرب من خلاله خلق نموذج استهلاكي لشعوب العالم، بل إن هذه الشعوب نفسها وأمام إحساسها بالنقص والعجز تجاه التطور الاقتصادي الغربي، تعمد إلى تباع هذه "الموضة" رغبة منها في التعويض والإشباع.
إن اتباع الموضة يخلق مجتمعا استهلاكيا تستنزف أمواله وتحطم معنوياته، لأن الزينة والجديد تصبح همه الأساسي والوحيد، بحيث يعطي إحساسا بالرضى عن اللباس ونوعية الأكل ونوعية الموسيقى.. لا نوعية الفكر أو التربية أو القيم التي يحملها الفرد.
هذا إضافة إلى أن الموضة تلبي لدى الشباب حاجات نفسية ممثلة في الحاجة للظهور والاختلاف وتعويض النقص الداخلي خصوصا أن جل شبابنا يشعرون بالدونية أمام " الآخر"، ويفتنون بأي شيء قادم من الضفة الثانية.
   الموضة والرأسمالية
         تعتبر الموضة المحرك الأول للاستهلاك، والعامل الأكثر تأثيرا في نمط وثيرته، إذ تجعل الشيء غاية في حد ذاته فتجعل معنى لا معنى وتخلق غاية من اللاغية ومنطقا للامنطقي، فقطاع الأزياء يغير أذواق الناس ذكورا وإناثا كل عام مرتين، فالموضة تحكم أذواق الناس وتسعر الرغبة في الاستهلاك التي يصفها أحد الساخرين بتلك التي تجعل الإنسان يشتري المنتوج في السوق لأنه أرخص منه فيغتنم الفرصة للربح. أو لا أغلى منه، فتكون فرصة للمباهاة، أو لأن لا أحد قد اشتراه فينال به فرصة التفرد أو لأن الجميع قد اشتراه فلماذا بالتالي يشد عنهم، فالموضة تزكي ما يسميـه المسيـري " الإمبريالية النفسية" التي تنطلق من الإيمان بأن الهدف من الإنتاج هو الاستهلاك، وأن حياة تكتسب معنى إن هو استهلاك ومزيدا من المعنى إن هو صغير من الاستهلاك.
فالموضة هي وسيلة الرأسمالية للوصول إلى الحد الأقصى من الربح والمتجلي في تساوي وثيرة الاستهلاك مع وثيرة الإنتاج المسارعة بقوة بفعل عوامل موضوعية تجعلها في التالي:
  • توفير المادة الأولية وقد أصبحت الآن متوفرة أكثر إذ أصبحت مواد صناعية توليفيه
  • تطور الشراهة لدى الراغبين في الربح إذ لا تعرف الرأسمالية في زمن العولمة بالضعفاء والقنوعين
  • تطور التكنولوجيا وآلات الصناعة وهي تتطور بشكل كبير جدا، فأصبحت الآلة التي كانت تنتج خمسين منتوجا في الدقيقة تنتج خمسمائة.
   الموضة و الاستلاب الحضاري
         الموضة أو كلمة Mode باللغة الفرنسية أو كلمة Vaydran  بالإنجليزية تعني " الشكل "، وهي لا ترتبط بأي ضابط بل لها هدف تجاري محض، ومن أجل ذلك فإنها تتحايل الفرص من أجل التورط، أي توريط الإنسان في التعاطي لمنتوج والتفاعل معه، فهي الإنفاق فوق الحاجة، بل إنها تسعى إلى استغفال الإنسان وسلبه من إرادته بهدف مزيد من الشراء وهي في العمق ترتبط والرأسمالية الشرسة التي هدفها أن تساوي بين وحدة الإنتاج ووحدة الاستهلاك، وإذ أن الطبيعة البشرية تقوم على التقليل والاكتفاء بالحاجة الضرورية فإنها تحاول سلب هذه الطبيعة والفطرة لذلك فهي تبحث عن استهلاك أكثر يتساوى مع الإنتاج الأكبر، وإن ما يجعلها تصبغ  بهذه الصبغة لهو طمع الإنسان في استهلاك الأكثر، يقول رسول الله صلوات الله عليه  وسلامه، لو كان لابن آدم واديان من الذهب لتمنى أن يكون له واد ثالث ".
         الموضة أصبحت ثقافة تحولت إلى سلوك تكرست في العقلية لتعطي مجموعة من التبريرات والتسويغيات من أجل دافع الاستهلاك، وأستحضر نكتة في المجال، فالمرأة تشتري الرخيص لأنه رخيص وتشتري الغالي لأنها تغرى بأغلى الأسعار وفي هذا فهي تشتري الرخيص جدا فرصة للربح والغالي جدا فرصة للمباهاة ولأن جميع النساء اشترينه فلماذا تبقى وحدها لا تشتري. ولأن لا أحد اشتراه فهي فرصة للانفراد به وهذا ما يسمى باستهلاك المنطق اللامنطقي حيث يجعل منه غاية.
         ولأنه لا ينبغي أن يكون هناك غاية (عقيدة) إلا الله سبحانه، فالاستهلاك أضحى غاية إذن الاستهلاك عقيدة واليوم أصبحت البشرية تعيش طاغوت الموضة وآلتها الجهنمية (الإشهار) لتعيش حالة من الصنمية أو الاستصنام بالموضة بهذا المعنى تدفع إلى الشرك الخفي".
يقول رسول الله صلوات الله عليه وسلامه " أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي لأن له دبيبا إلى القلوب كدبيب النمل على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وهو أسود لا يرى وقد قال صلوات الله عليه متعوذا:        " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه.
         فالموضة بهذا المعنى مرض نفسي يسيطر على القلوب والعقول وأستحضر مثالا على ذلك فأميرة مقاطعة موناكو بفرنسا مصابة بمرض نفسي يسمى هوس الشراء أو التسوق فإنها تمضي إلى المحلات تشتري ما لا يمكن لها أن تقيسه ولو أمضت حياتها فكيف أن تلبسه، وأيضا الديكتاتورية زوجة الديكتاتور " ماركوس" الذي كان يحكم الفلبين كان لها سرداب أسفل منزلها فيه جناح للأحذية اكتشف فيه 3000 زوج حذاء إنها الشراهة في الاستهلاك.
         فالموضة تؤدي إلى الإفساد الأخلاقي وأصوغ مثالا بالدول التي عرفت خطر الموضة " فالصين " نظرا لاكتشافها أن النسبة السكانية قد ارتفعت فرضت على النساء حدا أدنى من اللباس كي لا يتأثر بها الشباب الصيني قصد تحديد النسل، وألمانيا في تقرير لوزارة التربية الوطنية أصبحت تتبوأ المكانة الثانية عشر بعد أن كانت تتبوأ الرتبة الثالثة عالميا في التعليم وأرجحوا السبب إلى اللباس في صنف الفتيات وهو المخل بالحشمة.
         والموضة تصرف من أجلها أزيد من 300 ألف مليار دولار سنويا من أجل إنتاج الألبسة، إنها رغبة شرهة في التمتع والإغراء في العالم. إذن الموضة قيمة مطلقة كذلك كرست كل آلياتها لمحاربة الكينونة لدى المرأة.
         والموضة هدم للفطرة والعقل فهي تحويل إلى القيمة المطلقة، وإذ كرم الله الإنسان بثلاث نعم عظمى وهي الوحي والعقل والفطرة، فالموضة تستهدف هدم العقل والفطرة باعتبارهما آليات اتخاذ الموقف وخزان المعايير والمقاييس لموضوعية الاختيار، وإذ أن الفلسفة الوجودية أثبتت بأن الإنسان له ثلاث مقاييس يعتمدها وهي الجمال باعتباره فطرة والخير الناتج عن العقل باعتباره مصلحة والوحي وهو الحق باعتباره رمز، فاللباس مقياس للجمال وفيه يكون الذوق، إما شخصي أو إعجاب بالزوج أو الابن، أو إكراما لمحل العلم، وأيضا هناك قيمة الرمز فيكون اللباس شرعيا أو موافقا للتقاليد المغربية أو المناسبات باعتبار الدين أو الهوية، وهناك القيمة الثالثة للباس وهي الوظيفة، فالإنسان يرتدي الدافئ لأن الوقت وقت برد أو البارد لأن الوقت وقت حر أو لأن هذا اللباس أهدي له لمصلحة فيه أي حسب وظيفته.
         فالموضة تأخذ كل هذه الاعتبارات أو القيم وتذبحها، فهي إلغاء للعقل إلغاء للكينونة الإنسانية، انتهاك لإنسانية الإنسان، فالموضة حين تصبح غاية في ذاتها تصبح إلها يعبد وكذلك الحال في عصرنا فنجد المرء يلبس اللباس لأنه موضة العصر أو لأنه رأى مغنية أو ممثلا يلبسه أو لأن زملاءه ضحكوا من لباس وقالوا له قديم وهي تهم بذلك حرية الشخص في اختيار اللباس، فالموضة قاطرة تجر صناعات هائلة ؛ صناعة الإشهار، المكياج، معارض الأزياء، عروض ملكات الجمال، يقابلها نزيف للعملة، عجز في الميزان التجاري، انبهار مطلق يبتلعه قهر ثقافي فتسليم للسلطان التجاري وللسيطرة الاقتصادية وأضرب مثالا على ذلك فلعبة " باربي" التي كانت بـ 100 درهم أصبحت بـ 10.000 درهم كما تخصص لها اليوم جناح في الأسواق نظرا لشهرتها من طرف الإشهار، فالموضة استعمار للوجدان، فهي تقضي على الصناعات المحلية التقليدية المرتبطة بالهوية والدين وهي حرب على الحجاب تستعمل أساليب خداع لا شعورية.
         كتب " جيري ما ندر" وهو الأمريكي صاحب ومؤسس ومالك أكبر شركة إشهار في العالم، كتابا أسماه أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون فهو صانع الإشهار من جهة والمروج للموضة ومن جهة ثانية أصبح يحاربها بإلقاء محاضرات والقيام بندوات قصد التعبئة على حرب الموضة.
         فالموضة وسلاحها الإشهار تستحسن ما ليس حسنا قوله تعالى " وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل "، أيضا هي تشويه للحقيقة وخلق للرغبات الكاذبة، ثم إن قائل هذا وهو جيري ما ندر" قد حل شركته وأصبح محذرا بخطر الإشهار، كذلك هي تعمل على التحكم في البشرية، فإسرائيل تعين سنويا أزيد من 400  شخص همهم الوحيد تحديد أنواع الألبسة لثلاث سنوات متقدمة فبعد أن كان اليهود لا يستطيعون صناعة أو التحكم في لباس المسلم سابقا أصبحوا هم الذين يعملون على تحديد لباسنا نحن المسلمون ويقبضون من الثمن برضى منا.
         وإذن فالموضة بكل هذه الأنواع استيلاب حضاري يعمل على طمس هوية المرء وتجريده من ذاته وانسلاخه من ذوقه.

Amira
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الأميرة .

جديد قسم : الموضة

إرسال تعليق