-->

المحور الأول: معنى الموضة عند الشباب


     عن معنى الموضة عند الشباب، يذهب بنا الحس السوسيولوجي المرهف، إلى استقصاء، وسبر أغوار الأسئلة التي طرحناها في الدليل المخصص للمقابلة، من خلال محاولة وضع مسافة مع موضوعنا، وموقعة ذواتنا مع ما هو مدروس خارج عن الذات، حتى يتحقق مبدأ الموضوعية النسبية، ولا نسقط في الجهل المنهجي، الذي ندد "اميل دوركايم" بعدم السقوط في فخه.
لذلك، وانطلاقا من المعطيات الميدانية يتضح أن هناك تباين على مستوى تمثلات عينة البحث ـ طلبة الدراسات الاسلامية، والانجليزية، والفرنسية ـ حول "الموضة"، ذلك أن أغلبهم يعتبر الموضة أمرا ضروريا في نسق السيرورة المجتمعية اليومية، فطبقا لقول إحدى عينات البحث " الموضة هي شي حاجة ضرورية في حياتنا اليومية ".
فالموضة بالنسبة لهم هي محاولة مواكبة كل ما هو جـديد، ودخيل عن الثقافة المحلية، إنها ذلك الوافد الأجنبي، الممثل للثقافة العامة المهيمنة، إلا أنها تبقى ظاهرة موسمية  لا تتعدى سنة واحدة؛ بمعنى أن لباس السنة الماضية يعتبر شيئا قديما، ولم يعد يصلح للمظهر، إنه بعبارة البعض من عينة البحث "ديموضا"؛ أي إن ما يوجد في السوق من ألبسة هذه السنة، 2012 مثلا، يعتبر في السنة  الموالية  تقليديا، ومر زمانه، طبعا إنها الظاهرة تتكرر باستمرار، وليست ثابتة، حسب السياقين المكاني، والزماني، فالمجتمع ليس في طابع ستاتيكي، مثلما يدعوا رواد الاتجاه المحافظ في علم الاجتماع، بل يعرف تحولا في سيرورة البنيات الاجتماعية، ودينامية الحقل المجتمعي، و"الموضة" هي جزء من النسق الثقافي، لذلك فمن الطبيعي أن تدخل في علاقة تأثير مع المحيط، مع التغير الذي يصيب النظام الاجتماعي، وأيضا الفاعلين المجتمعيين؛ على اعتبار أنهم هم من يجسدون فعل الموضة داخل المجتمع.
لتصير بمثابة تلك النواة المجسدة لنزعات الرغبة في الاختلاف، والظهور بشكل مغاير عن الآخر، وابراز الأنا، والذات من حيث الأناقة، والزينة، والجمالية...الخ، من قيم المظهر الجميل، لتحقيق فعل إعلان الوجود، بالمدلول السيكولوجي للكلمة. إلا أن الموضة لا تتلخص حسب البعض من عينة مجتمع الدراسة في اللباس فقط، بل تأخذ صبغة مجموعة من المظاهر، والتجليات، إنها ذلك الواحد المتعدد، تتجسد عبر مجموعة من السلوكيات المرتبطة أساسا بمفهوم الجسد، الذي يوصف وفقا للأدبيات الأنثروبولوجيا بالفرجي، من خلال : تصفيف الشعر، طريقة الكلام، وحركات الجسد...الخ، إنها على حد قول أحد المبحوثين "مايمكناش نحصروها في لباس، حيث كتجاوز اللباس لحوايج خرين، بحال المشي، وتصفيف الشعر، والكلام" .
 و ككل الظواهر الاجتماعية  تبقى ظاهرة الموضة خاضعة لمجموعة من المحددات، لعل أبرزها  يبقى محدد السن، الذي يظل عاملا أساسيا في تحديد ميول الفرد لنوعية الموضة التي يرغب في السير على نهجها، إذ أكد مجموعة من عينة البحث على  أهمية مرحلتي المراهقة، والشباب باعتبارهما الفترة  الأكثر جذبا للأفراد، والانكباب بالاهتمام بسلوك فعل مسايرة "الموضة"، ومواكبة كل ما يخصها من جديد، وفي المسار نفسه تضيف إحدى المبحوثات " آه نقدر نقول ليك أنا شخصيا فاش كانت عندي ستة عشرة عاما كنت كنلبس عادي كيما كانت أما فاش درت عشرين عام وليت كنلبس لباس آخر "، من هنا يبرز جليا أن طبيعة المرحلة العمرية ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة "الموضة"، فكل ما كان الفرد ما يزال في طور سن الشباب، والمراهقة كلما تعاطى أكثر لفعل "الموضة"، والاهتمام بلباسه، إلا أن هذا الطرح لا يبدو صحيحا في نظر البعض، على الرغم من قلتهم، ف"الموضة" لا ترتبط بالسن أو بمرحلة عمرية عابرة، إنها تخص كل الفئات على اختلاف عمرها إذ " كتلقى العيالات  مزوجات أبعقلهم أمزال دايرين في راسهم الضحك تلقاها لابسة جلابة مزيرة ومصيبة بسفيفة مزوقة "، بين الطرح الأول القائل بتأثير محدد السن في "الموضة"، وهو الطرح الذي أفادنا به أغلبية عينة البحث، والطرح  الثاني المعارض لمسألة العمر كمحدد لل"موضة"، وهو الطرح الذي لم يؤيده إلا قلة قليلة، نخلص إلى أن عامل السن محدد أساسي في تعاطي عينة البحث لكل ما يتعلق ب"الموضة".
في حين اعتبرت فئة قليلة من عينة البحث أن "الموضة" تمارس تأثيرات سلبية، وايجابية في الآن نفسه، في الجانب الايجابي تتيح "الموضة" للفرد صفة الانفتاح على ثقافة الآخر، والتواصل الثقافي مع الخارج، بفعل العولمة، والتحرر، والانعتاق من كل ما هو قديم، يخص المنظومة القيمية السائدة، الثقافة المشتركة، والوعي الجمعي، يقول أحد المبحوثين " الموضة هي الانفتاح على الجديد ". وفي الوقت نفسه تشكل سلاحا ثقافيا لمحاربة التقاليد الجمعية، والوقوق ضدا على منطق الخصوصية المحلية التي يعتزون بها إنها القيام بسلوك " التهرب من التقليدية، ومن نعوت الناس بأنك قديم ". وأضافت هذه الفئة في مسألة الاختلاف أن الموضة لا تجسد الاختلاف بل بالعكس تجسد التشابه.                                                                                                   
وبخصوص عما إذا كانت "الموضة" تشكل صيغة في شكل الاختلاف، أشار غالبية طلبة شعبة الدراسات الاسلامية كونها عامل أساسي في توحيد الذوق، فالذي " يصنع الموضة مثلا السليم يسعى إلى توحيد الذوق، الكل ولا كيلبس سروال سليم "، إنها مواكبة للعصر بما يحمله معنى الكلمة من تجدد، لأن العصر في حركية وليس في ثبات، إلا أنها ليست بالأمر الضروري في الحياة اليومية عكس ما أدلى به الأغلبية من عينة البحث، إنها فقط هدر للمال، وتقليد للغرب من أجل إبراز الذات، والشعور بالاختلاف عن الآخرين، هذا الاختلاف يقف عند حدود المظهر؛ أي الشكل الخارجي، أما في نمط العقل، وطبيعة الذكاء فالأمر يختلف كثيرا عن الأول، في هذا الصدد تؤكد إحدى عينة البحث أن " شي ناس تتلاقاهم لابسين مزيا ولكن تجي تناقش معاه تلقى العقل والو خاوي، ما يعرف حتى اهضر، والعكس صحيح، كاين ليملابس والو ولكن العقل ديالو عامر أكيعرف إناقش، ويهضر" .     
كخلاصة، وبعد هذا التحليل الوصفي، والتركيبي لمجموعة من الأسئلة التي حاولنا من خلال ادراجنا لهما تم الوصول إلى أكبر المعطيات التي قد تساعدنا في الاقتراب من الاجابة على سؤال معنى الموضة عند الشباب، يمكن القول إن أهم ما يمكن استخلاصه في علاقة مع هذا المحور أن:
v    أن الآراء، والتمثلات حول كون "الموضة" هي مسايرة تزامنية لمتطلبات العصر الجديد، وضرورية للحياة، تبقى هي الغالبة على طبيعة غالبية عينة البحث، مع بعض الاستثناءات طبعا التي ترفض هذه المسألة، خصوصا جزء من عينة المبحوثين، المتمدرسين بشعبة الدراسات الاسلامية.
v    أما عن كون "الموضة" هي مرحلة عمرية عابرة مرتبط بالزمن لا غير، فهناك شبه اتفاق مع عينة البحث التي تدرس في شعبتي اللغة الفرنسية، واللغة الانجليزية إذ إن الغالبية العظمى من عينة البحث، أدلت بكون المسألة بالفعل حاضرة بقوة، فكل ما كان الفرد مراهقا، وشابا كل ما كان الكبار في السن أقل مواكبة للموضة.
v    وعن الموضة كشكل من أشكال الاختلاف، وابراز الذات، وإعلان الوجود، يجيبنا الأغلبية من عينة البحث، أن إبراز الذات من خلال "الموضة"، يجعلهم يختلفون ويتميزون عن العامة، في حين عارض البعض هذا الطرح، مبرزين أن "الموضة" لا تعكس الاختلاف بقدر ما تعكس وجه التشابه ذلك بين الناس.
v    وعن مسألة أن الموضة ترتبط بمرحلة معينة، ومختلفة عن مراحل أخرى سابقة لها، يجيبنا أغلبية المبحوثين كون أن الموضة غير محصورة في عمر الشخص، ولا هي مرحلة عابرة.
وإذا كان للموضة معاني ودلالات لدى عينة البحت، سواء منها السلبية أو الإيجابية فهذا يعني بشكل او اخر أن هناك تفاعل اجتماعي ونفسي مع هذه الموضة، الشيء الذي يفرض نمطا معينا من التعامل مع الموضة؛ وهو ما سوف نحاول ابرازه في المحور التالي، بنوع من الحذر الابستيمي، والموضوعية العلمية في نقل معطيات الميدان بخصوص هذا المحور، ومقاربتها مقاربة سوسيولوجيا، لأجل تفكيكها، ومحاولة معرفة مدلولاتها، وحمولتها الفكرية، والمعرفة التي تحقق لنا معنى فعل التعامل مع الموضة لدى عينة البحث.

Amira
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الأميرة .

جديد قسم : علاقة الأستاذ بالطالب

إرسال تعليق